رحلة نحو الكلام… تبدأ بالعلاج وتستمر بالدعم

رحلة نحو الكلام… تبدأ بالعلاج وتستمر بالدعم

12 مايو 2026 | نوار معري


في مركز صغير بمدينة غازي عنتاب، لا يُقاس التقدّم بالأرقام، بل بأول صوت، وأول كلمة، وأحياناً بتلك اللحظة المنتظرة حين ينطق الطفل أخيراً.

قضى طارق المصري، وهو أخصائي سوري في النطق واللغة حاصل على درجة الماجستير في التربية الخاصة، سنوات عديدة في دعم ذوي الاحتياجات الخاصة في سوريا. وبعد مغادرته سوريا والانتقال إلى تركيا برفقة زوجته في عام 2014، واصل عمله مع المنظمات غير الحكومية والمراكز المتخصصة، حيث قدم الدعم للأطفال ذوي الإعاقة وصعوبات النمو.

ومع مرور الوقت، لاحظ فجوة واضحة: العديد من العائلات السورية تواجه صعوبة في الوصول إلى خدمات التأهيل المتخصصة، وخاصة علاج النطق واللغة. لم تكن المشكلة مادية فقط، بل تعود أيضاً إلى حاجز اللغة. فبالرغم من توفر هذه الخدمات في تركيا، إلا أن تكلفتها المرتفعة وصعوبة الوصول إليها بشكل مستمر جعلتها بعيدة عن متناول كثير من عائلات اللاجئين التي تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية.

انطلاقاً من هذا الواقع، بدأ طارق عام 2023 بتأسيس مركزه الخاص "مركز طارق". ورغم اضطراره للتوقف لفترة، إلا أن الحاجة لم تختفِ، وكذلك شغفه. فعاد مجدداً، وأعاد افتتاح المركز ليستكمل ما بدأه.
اليوم، يُعد مركز طارق من المراكز القليلة في غازي عنتاب التي تقدم خدماتها باللغة العربية، حيث يوفر التقييم، والتأهيل، وعلاج النطق للأطفال المصابين بالتوحد ومتلازمة داون واضطرابات النطق، إضافة إلى دعم البالغين الذين يعانون من آثار نفسية مرتبطة بتجارب الحرب. كما يشمل عمله الأطفال الذين خضعوا لزراعة القوقعة، والذين يحتاجون إلى تأهيل سمعي طويل الأمد لتطوير مهارات النطق وهو دعم غالباً ما يكون غير متوفر، مما يحرم الكثيرين من الاستفادة الكاملة من العملية. يستقبل المركز شهرياً نحو 30 حالة، معظمها بحاجة إلى متابعة مستمرة وطويلة الأمد.

ورغم أهمية هذه الخدمات، فإن استدامة المركز ليست بالأمر السهل. يحرص طارق على إبقاء رسومه رمزية مراعاةً لظروف العائلات السورية، التي يعتمد كثير منها على دخل محدود. وفي المقابل، تبقى تكاليف ترخيص العمل، والضرائب، والتأمينات الاجتماعية مرتفعة، خاصة لمشروع يعتمد على خدمات مستمرة وطويلة الأمد.

في هذه المرحلة المفصلية، جاء دعم الترخيص ضمن مشروع "التوظيف المستدام والتنمية الاجتماعية والاقتصادية في المناطق المتضررة من الزلازل في تركيا (RE-SEED)"، ليساعد طارق على تحويل مركزه من عمل غير رسمي إلى مؤسسة مسجّلة رسمياً. شمل هذا الدعم خطوات أساسية مثل تصديق الوثائق، والحصول على إذن العمل، والتسجيل في غرفة التجارة، واستخراج التوقيع الإلكتروني. كما يغطي المشروع الضمان الاجتماعي (SGK) لمدة ثلاثة أشهر، مما يخفف العبء المالي في هذه المرحلة الانتقالية، ويتيح له التركيز على تطوير خدماته واستدامتها.

بالنسبة لطارق، فإن التسجيل الرسمي، الذي أصبح ممكناً بفضل مشروع RE-SEED، ليس مجرد إجراء إداري. ففي مركز يعمل مباشرة مع الأطفال والأفراد المستضعفين، يوفر التسجيل الرسمي الحماية القانونية لكل من مقدم الخدمة والمستفيدين، ويضمن المساءلة، ويبني الثقة مع الأسر. كما أنه يفتح الباب أمام فرص مستقبلية، بما في ذلك الشراكات والدعم المحتمل من المؤسسات العاملة في هذا المجال المتخصص للغاية

وقد مكن الدعم المقدم من برنامج «RE-SEED»من تأمين تأمين صحي له ولعائلته، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية للسوريين. وقد ساهم ذلك في تعزيز استقراره الشخصي، ومكّنه من مواصلة عمله بثقة أكبر.

يدير طارق المركز حالياً بمفرده، لكنه يطمح إلى توسيع فريقه مع نمو العمل، وتدريب كوادر متخصصة، والمساهمة في رفع الوعي حول سبل دعم ودمج الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع.

من خلال دعم الترخيص، يساهم مشروع RE-SEED في ضمان استمرار وصول هذه الخدمات الحيوية إلى من هم بأمسّ الحاجة إليها. وبالنسبة لكثير من الأطفال والعائلات، فإن الأمر يتجاوز مجرد الحصول على علاج، إنه فرصة حقيقية للتعبير، للتواصل، و إيصال صوتهم.

يأتي هذا الدعم ضمن مشروع التوظيف المستدام والتنمية الاجتماعية والاقتصادية في المناطق المتضررة من الزلازل في تركيا (RE-SEED)، تم تمويله بشكل مشترك من قبل الاتحاد الأوروبي والوزارة الألمانية الفيدرالية للتعاون الاقتصادي والتنمية، ويتم تنفيذه من قبل المؤسسة الألمانية للتعاون الدولي( GIZ) بالتعاون مع اتحاد بلديات تركيا و Building Markets.

الصفحة السابقة
الصفحة السابقة

من الإغلاقات المتكررة إلى الاستقرار: كيف أصبح محل حلاقة مصدر استقرار لثلاث عائلات

التالي
التالي

النمو مجرد البداية: إعادة النظر في الأثر الذي تحدثه الشركات الصغيرة والمتوسطة ومجتمعاتها